أبي حيان التوحيدي
186
المقابسات
قد زال أبقاك اللّه عن سمعي وبصرى وصدري كثير مما كان صلة لهذه الجملة والبقية كما تراها ، ويصالحها العقل بالتحية والرحب ، فيتلقاها بالبشاشة والبشر ، وليس يوصل إلى أعماق الفلسفة وعويص الحكمة الإلهية لا بالإشارة والإيماء ، والرمز والإيماض 30 مقابسة [ في هل يقال إن الباري تعالى لا شئ ؟ ] قيل لأبى زكريا الصيمري بباب الطاق في الوراقين وأبو سليمان حاضر : بلغنا أنك لا تقول إن الباري شئ ؟ وهذا مذهب كالشنع إن لم يكن كالمحال ، والمعروف غيره عند كافة الناس ؟ فقال : قولنا شئ ، ليس باسم ، ولا فعل ولا حرف ، ولا نعت ، ولا مصدر ، ولا ظرف ، ولا حال ! ولست واجدا نصابا يقر فيه ، ولا منزعا ينزع إليه ، وإنما صار له مفهوم بحسب اتصاله بغيره ، وانضمامه إلى ما يتم به ، كقولك : هذا شيء إذا أضفت إلى نفسك . وهذا شيئك ، إذا أضفت إلى مخاطبك . وهذا شيء فلان ، على هذه الوتيرة المعترف بها . وأما قولك شئ على نكرته وأصله وتجرده ، فليس يجلب فائدة ولا يحدث ثمرة ولا يوجب علما . والنفس لا تأخذ منه معنى ، والفهم لا يحلو منه بجملة ، والحس ينفر عنه ضربة واحدة ، فأما إن عرفته بالألف واللام فقلت الشئ ، فإنه لا يكون له أيضا ثمرة حتى تتصل المعرفة المجتلبة إليه بغيره وتنكشف ، اللهم إلا أن يكون بينك وبين صاحبك عهد بشيء من الأشياء ، فحينئذ ذلك العهد يشير إلى غير ذلك الشئ الذي في نفسك ، ويذكر عهدك به وعهده بك